أبو الليث السمرقندي
360
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى يعني : لقد رأى جبريل مرة أخرى . وروي عن كعب الأحبار أنه قال : رأى ربه مرة ، فقال : إن اللّه كلم موسى مرتين ، ورأى محمدا مرتين ، فبلغ ذلك إلى عائشة رضي اللّه عنها ، وعن أبيها ، فقالت : قد اقشعر جلدي من هيبة هذا الكلام ؛ فقيل لها : يا أم المؤمنين أليس يقول اللّه تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى فقالت : أنا سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقال : رأيت جبريل نازلا في الأفق على خلقته ، وصورته . ويقال : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى يعني : رآه بفؤاده وأكثر المفسرين يقولون : إن المراد به جبريل . يعني : محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لما رجع من عند ربه ليلة أسري به ، رأى جبريل . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى فقال مقاتل : السدرة هي شجرة طوبى ، ولو أن رجلا ركب نجيبه ، وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم ، لما وصل إلى المكان الذي ركب منه ، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل ، وجميع ألوان الثمار . ويقال : هي شجرة غير شجرة طوبى ، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة ، تخرج أنهار الجنة من أصل تلك الشجرة . وإنما سميت سِدْرَةِ الْمُنْتَهى لأن أرواح المؤمنين تنتهي إليها . ويقال : أرواح الشهداء تنتهي إليها . ويقال : الملائكة ينتهون إليها ، ولا يجاوزنها . ويقال : لأنه علم كل واحد ينتهي إليها ، ولا يتجاوزنها ، ولا يدري ما فوق ذلك . وروي عن طلحة بن مطرف ، عن مرة ، عن عبد اللّه قال : لما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ، وإليها ينتهي ما عرف من تحتها ، وإليها ينتهي ما هبط من فوقها ، وهي النهاية التي ينتهي إليها من فوق ، ومن تحت ، ولا يتجاوز عن ذلك . ثم قال عز وجل : عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى وإنما سميت المأوى لأنه يأوي إليها أرواح الشهداء . قرأ سعد بن أبي وقاص ، وعائشة رضي اللّه عنهما : جَنَّةُ الْمَأْوى بالتاء . وقيل لسعد : إن فلانا يقرأ عندها جَنَّةُ الْمَأْوى بالهاء . قال سعد : ما له أجنه اللّه . وعن أبي العالية قال : سألني ابن عباس : كيف تقرأها يا أبي العالية ؟ قال : قلت له جنة . قال : صدقت هي مثل قوله : جَنَّاتُ الْمَأْوى . وقراءة العامة جَنَّةُ وهي من جنات . ثم قال : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى يعني : يغشاها من الملائكة ما يغشى . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه سئل ماذا يغشى ؟ قال : جراد من ذهب . ويقال : فراش من ذهب . وقال الحسن : يغشاها نور مثل الجراد من ذهب . ثم قال : ما زاغَ الْبَصَرُ يعني : ما مال ، وما عدل بصر محمد صلّى اللّه عليه وسلم عما رأى وَما طَغى وما تعدى ، وما جاوز إلى غيره . ويقال : وَما طَغى يعني : وما ظلم صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلم فيما رأى تلك الليلة التي عرج به إلى السماء لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وهو الرفرف الأخضر ، قد غطى الأفق ، فجلس عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليه وجاوز سدرة المنتهى . وقال ابن مسعود : رأى جبريل وله ستمائة جناح ، وهم مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وذلك أن